قصة مايتا،

في رواية يكون الروائي نفسه الراوي، والمتحري عن تفاصيل الحدث بعد مرور ربع قرن على وقوعه هو ماريو بارغاس يوسا، يقول على لسان الراوي: “أريد أن اكتب شيئاً مستوحى من حياته. ليس سيرة وإنما رواية. قصة حرة، حول الحقبة، والوسط الذي عاش فيه مايتا والأشياء التي جرت في تلك السنوات“. صـ23

إنها قصة المناضل مايتا. ومايتا يساري ثوري مفعم بهاجس المغامرة، فيه شيء من الطيش، يحلم بتغيير العالم بواسطة العنف ( الكفاح المسلح ) في بلاده بيرو، حيث تعم الفوضى والفساد والتخلف والطغيان.

يتسائل الراوي لماذا يكتب عن مايتا بالتحديد : “والحقيقة أنني لا أعرف لماذا تتملكني قصة مايتا وتُقلقني“ص65 ، ويأتي الجواب  كما العادة في أنحاء متعددة من الرواية على لسان أحد شخصياتها فيقول موسيس: “ربما أعرف أنا السبب. لأن قضيته كانت الأولى قبل انتصار الثورة الكوبية.. قبل هذا الحدث الذي شق اليسار إلى قسمين“.صـ65

رواية جعلت مهمة البحث لا تقتصر على الروائي ولا الراوي، بل أشركت كل القراء فيها، جعلتنا ننبش عن كل التفاصيل المتعلقة بكل تلك المرحلة التاريخية وكل المصطلحات السياسية التي وردت فيها .. أسرنا يوسا بعالم الرواية على مدى ستة أيام، وجعل الشك يساورنا مما كان يقوله الرواة في فصول متعددة بما جاء في أقوالهم من تناقض، من جهة، وفي واقعية وصداقية الأحداث التاريخية عن مروية اليسار الأمريكي اللاتينيمن جهة أخرى، وأعتقد ان هذا ما منح الرواية قوتها، ومنحنا نحن معشر القراء المتعة.

وفي مقال لـ سعد محمد رحيم في موقع الحوار المتمدن عن الرواية يقول: “والغريب أن الراوي الأول الذي هو روائي يتحرى عن تفاصيل حادثة جرت وقائعها قبل خمس وعشرين سنة يضللنا هو الآخر وكأنه يستمتع بهذا. وفي خاتمة الرواية سنخرج بانطباع مؤكد هو أن الراوي كان يزيّف طوال الوقت في سبيل إمتاعنا، وفي سبيل أن يمنحنا صورة عن شطر من التاريخ المعاصر لأمريكا اللاتينية أكثر صدقاً وعمقاً من أية مدوّنة تاريخية“.

وتقول الصديقة إيمان في مراجعتها: “الملم و لو بالقليل من ترجمة حياة يوسا يستوعب أن الكاتب فيه شيء من مايتا أو أنه استخدم هذه الشخصية كرد راديكالي عن اليسار الاشتراكي الذي آمن به سابقا و الذي ينكره الآن و هو المنضوي تحت تجمع ليبرتاد او تجمع القوى الديمقراطية المناهضة للماركسية الذي يمثل اليمين الليبرالي, من خلال مايتا يشرَح اليسار الاشتراكي في البيرو و يلومه على تعثر التقدم في البلد و هذا ما يظهر بشكل جلي في جعله مايتا شخص مخنث أو مثلي“.

أما عن الإمتزاج الزمني في الرواية كتبت مي: “الإنتقال السردي من زمن الثورة إلى زمن الراوي بدا لي جاذبا أحيانا ومتشعب في أحيان أخرى وخاصة في بداية الراوية لأنه أحدث لي فصلا بين زمن وآخر .. يذكرنا ذلك بأسلوب فوكنر في روايته العظيمة الصخب والعنف في فصليها الأول والثاني .. أحببت الأمر عند يوسا في بعض الفصول وكرهته في فصول أخرى ففي الوقت الذي تشعر فيه بالإندماج تجد نفسك إنتقلت لزمن آخر ومكان آخر وتود لو أن يوسا لم يفعل بك هذا!“.

بينما وضحى أكدت انبهارها وكتبت: “لا أخفي انبهاري بطريقة سرد يوسا الساحرة أُحادية المكان ومتعددة الزمانكما أحب أن أسميها- في تلك الفصول التسعة خصوصاً السابع منها… حيث تتداخل الفلاشات بين مَرْويّ ومُتَذكّر وحاضر لا يُخرجنا من مشهدٍ مدهش إلا صدمة الصمت في مشهدٍ آخر“.

أعجبني وصف محمد لتناقضات مايتا كما وصفه الراوي وصوّره لنا: “هو الشيوعي الرخو و المتمرد الحالم و المثلي المفكر واللص الشريف وقائد الثورة البيروية الشعبية الخائبة فيما بعد والزوج الإنتهازي و الاب المزيف“.

ويضيف: “النهاية الحزينة لبطل غير متوج تثير الكثير من الشك هل مايتا حقيقي بعمله و حياته أم صدى للراوي اراد أن يصطفي من خياله احدا ليلبسه احداثا عاصرها و ربما تعيد له شيئا من ذكريات سوداء عاشها في بلده فوضع مايتا في رواية تحكي عن مأساة و ملهاة“.

وهذا يضعنا امام السؤال الصعب، هل يمكننا أن نصدق التاريخ الذي تحدثت عنه الرواية، أم أننا يجب أن لا نخرج من قالب انها قصة مملوءة بالأكاذيب التي تمتع القارئ بالدرجة الأولى؟ هنا يأتي جواب الأخ فهد شافياً وافياً ومقنعاً: “ولكننا يجب أن نكون حذرين جداً، فالرواية ليست مرجعاً بأي حال من الأحوال، هي تخييل، قد ينطلق من أحداث واقعية ولكنه لا يلتزم بها، والروائي الجيد هو الذي يلم بما حدث، ولكنه يجعله يحدث من جديد بعملية خلق إبداعية، تضفي على الأحداث ما يريد أن يقوله، من الخطأ أن نمسك الرواية بيد وكتاب التاريخ باليد الأخرى، ونبدأ في التوصيل بينهما، لأن الرواية عندها ستسقط من ذراها التخييلية إلى السفح الواقعي، وسيبدو وكأن الروائي يكذب علينا، بينما هو لم يزعم أبداً بأنه سيقول الحقيقة، لو كان يريد قولها، لما كتب روايته، ولتركنا أمام المراجع والكتب التاريخية، ولكن الكتب التاريخية لا تلتفت للإنسان كثيراً، ليس لديها الوقت لعذابات شخص هامشي وأحلامه، وحده الروائي من يأتي ليأخذ جذوة صغيرة من هذا، لمحة، وينسج منها كذبته التي تمنح إنساناً فانياً مركزية في أذهاننا، تجعلنا نقترب منه ولو قليلاً، ونهتم بما فعله وبما قاله، ونحاول تفسيره، نحبه أو نكرهه، كل هذا غير موجود خارج الرواية، حتى فن السيرة الذاتية، الذي يمنحنا شيئاً من هذا، لا يثير فينا هذه المشاعر ما لم يُكتب بنفسٍ روائي“.

بالنسبة لي : في الفصل السابع كانت الذروة واشتعلت الجذوة وزدت لها نجمة، فصار تقييمي 4/5. هذه الرواية هي لقائي الأول مع ماريو بارغاس يوسا، والخامس مع ترجمة صالح علماني ..

قرأناها في نوفمبر 2012 ، ضمن القراءات الخاصة في صالون الجمعة وهذا موضوع القراءة: قصة مايتا | 11-2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s