بجعات بريّة،


الكتاب الوحيد الذي خطفني لعالمه ورفض رفضاً قاطعاً أن يشاركه أحد غيره بي .. عبثاً حاولت أن اقرأ كتاب آخر بنفس الوقت .. كلما هممت أجد كتاب البجعات ينظر إلي بحنين يعتصر قلبي فأعود مشتاقة إليه .. مستغربة من نفسي ومن صبري على 600 صفحة قرأتها على مهل في تسعة أيام دون ليالي .. كنت أترك الليل للتفكير بما أقرأه بالنهار وأتصور حجم المأساة التي يمكن لإنسان طبيعي أن يتحملها .. وأكاد أجزم أن الصينيين ليسوا طبيعيين ليتحملوا ألماً جسدياً ونفسياً وفكرياً بهذا الحجم وبهذه البشاعة ..
لن أتحدث عن تفاصيل الرواية .. لن أتحدث عن العادات الصينية القديمة المتخلفة “كربط الأقدام” ولا عن الكوارث والمجاعات التي عانى منها الشعب بسبب الحكم الشيوعي للبلاد .. ولا عن الحجج غير المقنعة التي تذرع بها هذا الـ ماو والتي كان يدين بها أشخاصاّ بهدف التخلص منهم .. ولا عن سحقه للقديمات الأربعة : ( الأفكار القديمة والثقافة القديمة والأعراف القديمة والعادات القديمة) .. ولا عن الثورة الثقافية التي لا تمت للثقافة بصلة .. والتي في كل مرحلة من مراحلها الأربعة كان ماو يطلق أفكاراً تهدم الأفكار السابقة وكان الشعب كقطيع غنم يطبق دون أن يفهم .. سواء في فترة الحراس الحمر المراهقين، أو فترة المتمردين حين هجموا على أنصار الطريق الرأسمالي، أو فترة حروب الأجنحة بين المتمردين، أو عند إشاعة الإرهاب ووقف صراع الأجنحة وهي آخر مرحلة من مراحل الثورة الثقافية ..
“الثورة الثقافية” وحّشت العلاقات الإنسانية، وتسببت بتغريب عوائل لا تحصى. صـ527
لا أريد الحديث أكثر .. يجب أن يقرأها كل عربي مفتون بالصناعة الشرق آسيوية .. يجب أن يعرف أن النجاح أتى من رحم المعاناة .. وصعد على جثث أناس ضحايا وأبرياء .. ولن يجد صعوبة في القراءة لأنها كُتبت على يد فتاة عاشت الفترة لحظة بلحظة .. تحدثت ابتداءاً من حياة جدتها ثم استفاضت بالحديث عن المرحلة التي عاشت فيها أمها وكان لها نصيب الأسد .. وبالأخير تحدثت عن حياتها ومعاناتها أيام الثورة الثقافية بأسلوب سهل وبسيط وغير متكلّف ومشوّق .. والترجمة خدمت النص كثيراًأعترف بأني بكيت كثيراً في أيامي الأخيرة مع البجعات .. ثلث دموعي بسببها وثلثيه لأسباب أخرى صادفت حدوثها أثناء قرائتي لهذا الكتاب المختلف نوعاً وأسلوباً عن قراءاتي السابقة .. شكراً لكل من ساهم بتشجيعي على قراءة الكتاب إبتداءاً من البائع في دار الساقي وانتهاءاً بصديقات وأصدقاء القراءة الذين تشاركت وإياهم قراءة هذا الكتاب في صالون الجمعة..17-9-2012

Advertisements

4 thoughts on “بجعات بريّة،

  1. اقرأوا رواية “السجينة” التي كتبتها الروائية الفرنسية Marcel Proust بمساعدة بطلة القصة الحقيقية مليكة أوفقير. إنه يضاهي كتاب “بجعات برية” من ناحية عنصر التشويق. وهو قصة حقيقية أيضاً لعائلة مغربية عانت الأمرَّين لمدة عشرين سنة في سجن في الصحراء لأن رب العائلة الذي كان أقرب المقربين لملك المغرب محمد الخامس أراد أن يقلب الحكم. لا أريد أن أضيف أكثر من ذلك. لا تفتكم قراءة هذا الكتاب. إن عنوان الكتاب باللغة الفرنسية : La Prisonnière وباللغة الإنكليزية: Stolen Lives

    • أشكرك على مرورك وتعليقك واقتراحك لرواية السجينة، إنها على القائمة تنتظر دورها وأطلب من ربي أن يمنحني الوقت الكافي لأقرأ كل ما أتمنى .. قرأت عن سجن تزمامارت رواية “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بن جلون وكانت ساحرة وآسرة وموجعة .. أشكر تواجدك أخي

  2. لقد ارتكبتُ سهواً في تعليقي السابق عندما ذكرت أن مؤلفة رواية السجينة هي مارسيل بروست. والآن أصحح خطأي وهو أن اسم مؤلفة هذه الرواية هي (ميشيل فيتوسي)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s